غيّرت حرب إيران الأخيرة شكل الشرق الأوسط على نحو غير مسبوق، وأعادت رسم توازنات القوة والتحالفات الإقليمية. ويرى الكاتب شجيل زيدي أن تداعيات الحرب تتجاوز حدود المواجهة العسكرية، إذ تدفع المنطقة نحو نظام جيوسياسي جديد يستند إلى اعتبارات الجغرافيا والمصالح الإستراتيجية أكثر من اعتماده على التحالفات التقليدية. ويؤكد أن الجغرافيا ظلت، عبر التاريخ، العامل الأكثر تأثيرًا في تشكيل موازين القوى مهما تبدلت الظروف السياسية.

 

وتوضح صحيفة ذا فرايداي تايمز أن الأراضي الممتدة من مصر حتى شبه القارة الهندية شكّلت عبر قرون فضاءً جغرافيًا متصلًا سهّل انتقال التجارة والأفكار والجيوش، على خلاف القارة الأوروبية التي فرضت تضاريسها الطبيعية انقسامات سياسية وجغرافية واضحة. ويصف الكاتب هذا الامتداد التاريخي بمفهوم "الإيكومين الإسلامي"، وهو مصطلح استخدمه المؤرخ الأمريكي مارشال هودجسون للدلالة على المجال الحضاري الإسلامي المترابط الذي جمع شعوب المنطقة اقتصاديًا وثقافيًا عبر قرون طويلة.

 

حرب إيران تعيد تشكيل التحالفات الإقليمية

 

يربط الكاتب بين هذا الإرث التاريخي والتحركات السياسية الجارية بعد الحرب، مشيرًا إلى الاجتماع الذي عقده وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان في القاهرة ضمن إطار ما يعرف بـ"R-4". ويرى أن بعض التحليلات الغربية اختزلت هذا التقارب في فكرة "الناتو الإسلامي"، بينما تتجاوز دوافعه ذلك بكثير، إذ تفرض التحولات الأمنية والفراغ الإستراتيجي في المنطقة البحث عن منظومة أمنية جديدة.

 

ويشير المقال إلى أن توقيع السعودية وباكستان اتفاقية دفاع إستراتيجي خلال عام 2025، ثم اندلاع الحرب مع إيران، سرّعا وتيرة التنسيق بين القوى الأربع. ولم يعد الهدف يقتصر على مواجهة تهديد بعينه، بل اتجهت هذه الدول إلى بناء إطار تعاون يحافظ على الاستقرار الإقليمي في ظل تراجع المظلة الأمنية الأمريكية.

 

ويضيف الكاتب أن الحرب دفعت كثيرًا من دول المنطقة إلى إعادة تقييم اعتمادها على الولايات المتحدة، بعدما بدا أن القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج لم تعد توفر الضمانات الأمنية التي اعتادت تلك الدول الاعتماد عليها. ومع انحسار النفوذ الأمريكي تدريجيًا، برزت الحاجة إلى نظام أمني إقليمي يستند إلى قدرات دول المنطقة نفسها.

 

الإيكومين الإسلامي... رؤية جديدة للنظام الإقليمي

 

يؤكد الكاتب أن مفهوم "الإيكومين الإسلامي" لا يعبر عن تحالف ديني أو أيديولوجي، بل يصف واقعًا جغرافيًا وحضاريًا حافظ على ترابطه قرونًا طويلة قبل صعود القوى الاستعمارية الغربية. فقد تعايشت الإمبراطوريات العثمانية والصفوية والمغولية داخل هذا المجال الواسع، قبل أن تؤدي الهيمنة البريطانية ثم الأمريكية إلى تفكيك هذا الترابط وإعادة رسم حدود المنطقة.

 

ويرى أن المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران تعكس بداية مرحلة جديدة تتراجع فيها الهيمنة الأمريكية، بينما لا تبدي الصين استعدادًا لتحمل أعباء أمن الشرق الأوسط. لذلك تتجه الدول الأكثر تأثيرًا في المنطقة إلى بناء ترتيبات أمنية مستقلة تحافظ على مصالحها بعيدًا عن القوى الخارجية.

 

ويصف الكاتب هذا التقارب بأنه نتيجة لحسابات عملية ترتبط بالبقاء والمصالح، لا بالمشاعر أو الشعارات، إذ تمتلك كل دولة عنصر قوة يعوض نقاط ضعف الدول الأخرى ويمنح هذا التكتل مقومات الاستمرار.

 

مصر وتركيا والسعودية وباكستان... أركان المعادلة الجديدة

 

يرى المقال أن مصر تمتلك أحد أهم عناصر القوة الجيوسياسية بفضل سيطرتها على قناة السويس، إلى جانب ثقلها السكاني وقواتها المسلحة، وهو ما يمنحها دورًا محوريًا في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية.

 

ويمنح الموقع الجغرافي لتركيا وصلاتها الاقتصادية بأوروبا، إضافة إلى صناعاتها الدفاعية المتطورة وخبراتها في مجال الطائرات المسيّرة والتنظيم العسكري، أنقرة مكانة أساسية داخل هذا التصور الجديد.

 

أما السعودية، فتوفر الإمكانات المالية الضخمة والاستثمارات والبنية التحتية للطاقة التي تسمح بتمويل إعادة بناء سلاسل الإمداد وتعزيز الاستقرار الاقتصادي في المنطقة.

 

ويصف الكاتب باكستان بأنها الضلع الإستراتيجي الأكثر حساسية، باعتبارها القوة النووية الوحيدة داخل هذا المجال الجغرافي، فضلًا عن امتلاكها جيشًا كبيرًا وخبرة عسكرية تمنحها قدرة على توفير مظلة ردع للدول الخليجية في مرحلة ما بعد النفوذ الأمريكي.

 

ويعتقد الكاتب أن إيران قد تنضم لاحقًا بصورة غير رسمية إلى هذا الإطار الإقليمي، مستندًا إلى تقديرات عدد من الباحثين، ومن بينهم أستاذ العلوم السياسية الأمريكي روبرت بيب، الذي يرى أن الحرب عززت مكانة إيران بوصفها أحد مراكز القوة الرئيسية في الشرق الأوسط.

 

ويشير إلى أن الموقع الجغرافي الإيراني يمنح طهران قدرة استثنائية على التأثير في حركة التجارة العالمية عبر مضيق هرمز وباب المندب، كما يمنحها نفوذًا إضافيًا على مسارات الطاقة المؤدية إلى البحر المتوسط عبر حلفائها الإقليميين.

 

ويختتم الكاتب بالقول إن التحولات الحالية لا تعكس مجرد نشوء تحالف أمني جديد، بل تمثل عودة تأثير الجغرافيا في صياغة النظام الإقليمي، مع إعادة تشكل فضاء الشرق الأوسط وفق اعتبارات تاريخية وإستراتيجية سبقت النفوذ البريطاني ثم الأمريكي، وهو ما قد يقود إلى مرحلة مختلفة كليًا في توازنات المنطقة خلال السنوات المقبلة.

 

www.thefridaytimes.com/01-Jul-2026/iran-war-changed-region-forever